واصف جوهرية
24
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وكنت لعظم حبي لهذا الفن كنت أحرم نفسي من شراء الحلوى الملبس والشوكولاتة بقطعة النقود المعروفة ب ( المتليك ) « 1 » من ذلك الوقت الذي كنت آخذهما من والدي مع إخواني كنت أشتري وترا من بائع يهودي كان في محلة باب البازار بجوار مدرسة الدباغة وأشد هذا الوتر عندما يغيب المعلم عن الصف كنت أشده على صندوق الدسك المعد للتلميذ في المدرسة فأسمع صوتا جميلا عندما أنقر عليه في الإصبع وتطرب زملائي له وعندما أرجع إلى البيت كنت أشده على مائدة الطعام في إيوان الدار فتغضب الوالدة لذلك لضربي المسمار الصغير في إحدى زوايا الطاولة وهكذا كنت أقضي أطول أوقاتي وفراغي بالغناء والموسيقى . علاقة والدي بالأسرة الحسينية الكريمة بالقدس كان والدي صديقا محبوبا للمغفور له الحاج سليم أفندي الحسيني ( والد موسى كاظم باشا « 2 » وأخيه حسين هاشم الحسيني ) . قد وصل الحاج سليم الحسيني إلى مركز عال في البلاد فكانت الحكومة العثمانية تحسب له ألف حساب لمواقفة الوطنية وحب الأهلين وخصوصا الفلاحين لشخصه الكريم . كان رحمه اللّه عضوا في مجلس الإدارة بالقدس ورئيسا لبلدية القدس مدة طويلة تقارب الاثنين والعشرين سنة وقد أفاد المدينة فالمجاري العمومية داخل السور ذلك العمل الصحي الفريد كانت بواسطته ثم بلاط شوارع القدس القديمة ( بلاط الريم ) كان من فكره وعمله فأصبحت المدينة نموذجا بالنظافة والجمال والروعة خصوصا لمن كان يزور آثاراتها المقدسة من الأجانب في ذلك الزمن . كان رحمه اللّه مشهورا بالسياسة كريم النفس صادق القول عادل في أحكامه متواضع حتى امتلك قلوب الناس وعلى الأخص الفلاح فكان له ديوانا خاصا في بيته في محلة الشيخ جراح يزوره المظلوم من الفلاحين ليأمن له ظلامته من عدوه وكان أي الفلاح بفضل حكمه واللجوء إليه عن دار الحكم والعدل في الدولة . ولما كان والدي محاميا ومتضلع بالقانون كان اليد اليمنى للحاج سليم في ديوانه وفي رحلاته في قرى قضاء القدس وأملاكه منها بيت سوسين وبيت جيز ودير الهواء وغيرها فأصبح الحاج سندا منيعا لوالدي معينه عضوا في مجلس الإدارة بالقدس عن الملة الأرثوذكسية وتوصل مع الباب العالي بالإستانة وبواسطة شكري بك الحسيني لدى الصدر الأعظم في ذلك الوقت فحصل له أي لوالدي على بدلة شرف لعلمه وأمانته وإني لم أزل أحتفظ بهذه البدلة الرسمية وسيفها [ ضمن المجموعة الجوهرية ] « 3 » ويوجد له رسما جميلا في تلك البدلة أيضا . وزاد على ذلك فقد كان والدي عضو البلدية المرافق للحاج سليم طيلة أيامه في الرياسة . وعندما ارتسم غبطة البطريرك الروم الأرثوذكس كيريوس كيريوس ذميانوس عينه في البطريركية براتب شهري فكان عضوا للمحكمة الكنسية فيها والمهم من هذا التعيين ولعظم ثقته بالجوهرية وثقة البطريرك ذميانوس أصبح والدي همزة الوصل ما بين البطريركية وحكومة القدس في ذلك الزمن فعندما تكون الأعياد يزور أعيان القدس ومعه المطران والترجمان الأول للبطريرك ليأدوا مراسيم المعايدة نيابة عن البطريرك في البيوت ويسلموا المخصصات من الذهب الرنان ضمن شاورية حرير صافي بيضاء لكل موظف كبير وتكون هذه المخصصات من البطريرك بالنسبة لمقامه وقوة مركزه
--> ( 1 ) أصغر قطعة نقدية عثمانية - مقابلة " للتعريفة " في عهد الإنتداب . ( 2 ) موسى كاظم الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا ما بين 1922 و 1934 . ( 3 ) المجموعة الجوهرية التي سيأتي وصفها لاحقا هي مجموعة التحف والآلات الموسيقية والصور الفوتوغرافية التي جمعها المؤلف في بيته الجديد في الطالبية خارج أسوار القدس ، والتي فقد القسم الأكبر منها في نكبة 1948 .